الحديث 2076عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف (1) ، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة [فتمت] فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغضبوهم أمرهم (2) ، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، فأنا أخشى أن تقوم، فتقول مقالة يطير بها أولئك عند كل مطير (3) ، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا بالرواح حين زاغت الشمس - زاد رزين: فخرجت في صكة عمي - حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه (4) ، تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية على المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي. وقال: ما عسى أن يقول ما لم يقل قبله؟ . فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن (5) قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإني قائل لكم مقالة، قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي (6) فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إن الله عز وجل بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم- بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله عليه: آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله (7) فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم - أو إن كفرا بكم (8) أن ترغبوا عن آبائكم- ألا وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تطروني (9) كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله (10) » . ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغتر امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، [من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا] ، وإنه قد كان من خبرنا - حين توفي نبي الله - صلى الله عليه وسلم- (11) - أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: [يا أبا بكر] ، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم، لا تقربوهم (12) ، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معاشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد. فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني، وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا، ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم؟ فأخذ بيدي، ويد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي - لا يقربني ذلك من إثم - أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله، ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة، أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما تابعناهم (13) على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو، ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا. هذه رواية البخاري. وهو عند مسلم مختصر حديث الرجم، ولقلة ما أخرج منه لم نثبت له علامة. وقد ذكر [منه] البخاري مفردا في موضع آخر: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» (14) .