الحديث 729
جامع الأصول
القراءة
محمد بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: عن حديث عائشة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى له من بعض، وأثبتهم له اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم (1) يصدق بعضا، قالوا: قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادا أن يخرج سفرا، أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت معه - بعد ما أنزل الحجاب - وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن (2) ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، أقبلت إلى الرحل فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار (3) . وفي رواية: جزع ظفار (4) قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن - ومنهم من قال: لم يهبلن (5) - ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العلقة (6) من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، ومنهم من قال: خفة الهودج - فحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال: فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب - فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني: عرس (7) من وراء الجيش، فادلج (8) فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني - وكان يراني قبل الحجاب - فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا معرسين - وفي رواية موغرين في نحر الظهيرة - قال أحد رواته: والوغرة: شدة الحر - قالت: فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك: عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر، وهو يريبني في وجعي: أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم (9) ؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، وهي متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف (10) قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم (11) بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر (12) ، خالة أبي بكر الصديق (13) ، - رضي الله عنه - وابنها: مسطح بن أثاثة (14) بن عباد ابن المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح (15) ، فقلت لها: بئسما قلت، أتسبيين رجلا، شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، وقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله (16) ! ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب (17) ، وأسامة ابن زيد، حين استلبث الوحي (18) ، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: هم أهلك (19) يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير (20) ، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ قالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت (21) منها أمرا أغمصه (22) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها (23) ، فيأتي الداجن فيأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر -: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ - ومن الرواة من قال: في أهل بيتي - فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه (24) ، وإن كان من إخواننا من الخزرج (25) أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج -، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه (26) وكان قبل ذلك رجلا صالحا (27) ، ولكن احتملته الحمية - ومن الرواة من قال: اجتهلته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد، يعني ابن معاذ - فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين (28) ، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا - ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر - فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي (29) ، وقد بكيت ليلتين ويوما، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي - ومن الرواة من قال: وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي- قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك، إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه (30) . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس (31) منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، قالت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن (32) ، فقلت: إني والله، لقد علمت أنكم سمعتم ما تحدث به الناس، حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني لبريئة - لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أني بريئة- لتصدقني، فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذا قال: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى - ومن الرواة من قال: ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم الله بالقرآن في أمري- ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فو الله ما رام (33) رسول الله مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (34) ، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، وكان أول كلمة تكلم بها، أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله - ومن الرواة من قال: أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك- فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله عز وجل: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} العشر الآيات (35) ، [النور: 11 - 19] فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة - لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله: {ولا يأتل (36) أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22] فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، قالت عائشة: وطفقت (37) أختها حمنة تحارب لها (38) ، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط. ومن الرواة من زاد: قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله! فو الذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف (39) أنثى، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله. وفي رواية أخرى عن عروة عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، فتشهد، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فأشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوء قط، وأبنوهم بمن والله ما عملت عليه من سوء قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي، فقام سعد بن معاذ، فقال: إئذن لي يا رسول الله: أن نضرب أعناقهم وقام رجل من بني الخزرج - وكانت أم حسان من رهط ذلك الرجل فقال: كذبت والله: أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد، وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم، أتسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم، أتسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح، فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ فذكرت - وفي رواية: فبقرت - لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا، ووعكت، وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني إلى بيت أمي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في أسفل البيت، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث. وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: أي بنية، خفضي عليك الشأن، فإنه والله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا حسدنها، وقيل فيها، قلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم، ورسول الله، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل. فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر في شأنها، ففاضت عيناه، وقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت، ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي، فسأل عني خادمي؟ فقالت: لا والله، ما علمت عليها عيبا، إلا أنها كانت ترقد، حتى تدخل الشاة فتأكل خبزها أو عجينها - وفي رواية: عجينها أو خميرها - شك هشام. فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله، حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر (40) وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله! والله ما كشفت كنف أنثى قط، قالت عائشة: فقتل شهيدا في سبيل الله، قالت: وأصبح أبواي عندي، فلم يزالا، حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صلى العصر ثم دخل، وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، يا عائشة إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار، فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة: أن تذكر شيئا؟ قالت: فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتفت إلى أبي، فقلت: أجبه، قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه، فقالت: أقول ماذا؟ فلما لم يجيباه تشهدت، فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فو الله، لئن قلت لكم: إني لم أفعل - والله يعلم إني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به، وأشربته قلوبكم، وإن قلت: إني قد فعلت - والله يعلم أني لم أفعل - لتقولن: قد باءت به على نفسها، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا - والتمست اسم يعقوب، فلم أقدر عليه - إلا أبا يوسف، حين قال: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك، قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا، فقال: لي أبواي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي ولقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش: فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما أختها حمنة: فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم فيه: مسطح، وحسان بن ثابت، والمنافق: عبد الله بن أبي بن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: فحلف أبو بكر ألا ينفع مسطحا بنافعة أبدا، فأنزل الله عز وجل: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ... } إلى آخر الآية، يعني أبا بكر {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} يعني مسطحا، إلى قوله: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع. وفي رواية: أن عائشة لما أخبرت بالأمر قالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذن لها، وأرسل معها الغلام، وقال رجل من الأنصار (41) : {سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} لم يزد على هذا. هذه روايات البخاري، ومسلم. وعند البخاري قال: قال الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع، ذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة، قال: وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع، إلى هنا ما حكاه البخاري. وأخرج البخاري من حديث الزهري قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: - أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلما (42) في شأنها. وأخرج البخاري أيضا من حديث الزهري عن عروة عن عائشة {والذي تولى كبره منهم} : عبد الله بن أبي. زاد في رواية: قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع، ويتحدث به عنده، فيقره ويشيعه ويستوشيه، قال عروة: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى، قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء وفي رواية لهما: قال مسروق بن الأجدع: دخلت على عائشة، عندها حسان ينشدها شعرا، يشبب (43) من أبيات، فقال: حصان رزان، ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق: فقلت لها: أتأذنين (44) له أن يدخل عليك؟ وقد قال الله تعالى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} ؟ قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الترمذي الرواية الثانية من الروايتين الطويلتين عن عروة عن عائشة بطولها، وقال: وقد رواه يونس بن يزيد، ومعمر، وغير واحد عن الزهري عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله - عن عائشة أطول من حديث هشام بن عروة وأتم، يعني بذلك: الرواية الأولى بطولها. وأخرج النسائي من الرواية الأولى إلى قوله: «فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن» ، ثم قال: وذكر الحديث، ولم يذكر لفظه. وأخرج أبو داود منه طرفين يسيرين. أحدهما: عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن، وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة، وكل حدثني طائفة من الحديث «قالت: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى» . والطرف الآخر: أخرجه في باب الأدب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشري يا عائشة، فإن الله -عز وجل- قد أنزل عذرك، وقرأ عليها القرآن، فقال أبواي: قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أحمد الله، لا إياكما» . وحيث اقتصر على هذين الطرفين اليسيرين، لم أثبت علامته مع الجماعة، ونبهت بذكرهما ها هنا؛ لئلا يخل بهما (45) .
الشرحغريب: 68 · فتح الباري
غريب الحديث
من «تفسير غريب ما في الصحيحين» للحميدي (ت ٤٨٨ هـ) — مطابقة باللفظ كما ورد، لا بالجذر
- الإفك
- الكذب يقال أفك يأفك إذا كذب وأصله صرف الكلام عن
- وعيت
- الحديث أعيه وعيا حفظته
- قفل
- المسافر إذا أخذ في الرجوع والانصراف
- الجيش أي سار
- ليس في الدار داع ولا مجيب
- قضيت الحق
- ووفيت به إذا أديته
- جزع أظفار
- نوع من الخرز وقيل هو جزع ظفار وهي مدينة باليمن يكون فيها هذا الجزع
- الرهط
- ما دون العشرة ويقال بل إلى الأربعين
- والنساء يومئذ لم يهبلن
- أي لم يكثر لحمهن من السمن فيثقلن وفي رواية لم يهبلن اللحم أي لم تكثر لحومهن وشحمهن والمهبل الكثير اللحم الثقيل الحركة من السمن
- إنه ضرب اللحم
- أي خفيف الجسم دقيق الخصر شبهته بتلك الشطبة وقيل أرادت بمسل الشطبة سيفا سل من غمده شبهته به
- العلقة
- من الطعام البلغة قدر ما يتبلغ به ويمسك رمقه يريد القليل
- السن
- بالسين المهملة الصب في سهولة والشن بالشين المنقوطة شن
- جمل
- الشحم أذابه والجميل الشحم المذاب
- استمر
- بالناس الحر أي الاجتهاد في السفر والمبالغة فيه واستمر تتابع
- عرس
- المسافر إذا نزل من اخر الليل لنوم أو لراحة
- ادلج
- الرجل في سفره بتشديد الدال إذا خرج من اخر الليل وأدلج إذا قطع الليل كله من أوله سيرا
- خمرت
- الإناء غطيته فهو مخمر أي مغطى
- خمرت وجهي
- أي غطيته والتخمير التغطية
- الراحلة
- المركب القوي على السير والارتحال من الإبل ذكرا كان أو أنثى
- الظهيرة
- وقت اشتداد الحر ونحرها اشتدادها ونحر كل شيء أوله
- الوغرة
- شدة الحر ويقال وغر صدره يوغر إذا اغتاظ وحمى وأوغر صدره أي أحماه من الغيظ
- يفيضون
- يخوضون فيه ويكثرون منه
- من قول عمر
- إني مصبح على ظهر
- قول المرأة
- أن تجير ابني
- اللطف
- في الأفعال الرفق بها وفي الأقوال لين الكلام ويقال لطف الله لك أي أوصل إليك ما تطلب بلا تعب
- تعس مسطح
- أي سقط وعثر وانكب ويقال تعس يتعس وأتعسه الله
- المناصع
- مواضع خالية تقضى فيها الحاجة من الغائط والبول وقيل المناصع صعيد أفيح فسيح خارج البيوت
- تبرز
- خرج وظهر وبرز من بين البيوت قبل الغائط وهو المطمئن من الأرض الذي يمكن الاستتار فيه لقضاء الحاجة ثم صار الغائط كناية عن قضاء الحاجة
- الغائط
- المنخفض من الأرض
- {شهد الله}
- أي بين الله لكم وأعلمكم ومنه شهد الشاهد أي بين ما عنده وأعلم به الحاكم وقيل معنى قوله
- {شهد الله أنه لا إله إلا هو}
- معناه بين ذلك وأعلمنا بذلك ومنه قولهم شهد الشاهد عند الحاكم أي أعلمه بما عنده وبين له ذلك وقيل معنى شهد الله أي قضى الله أنه لا إله إلا هو وكذلك قوله أشهد أن محمدا رسول الله أي أعلم وأبين أن محمدا متابع للأخبار عن الله عز وجل
- قط قط
- في قول النار بمعنى حسب والحسب الكفاية ومنهم من رواه قطني أي حسبي ساكنة الطاء ويقال قطك هذا أي حسبك هذا وقطاط بمعنى حسبي أيضا وقط مشددة لنفي الأمر تقول ما رأيته قط ولا أظنني أراه قط
- امرأة وضيئة عند زوجها
- أي محببة إليه حسنة في عينه
- سبحان الله
- تنزيه الله عن السوء
- وحي على الصلاة
- أي هلموا إلى الصلاة وأقبلوا إليها وفتحت الياء من حي لسكونها وسكون الياء التي قبلها كما قيل ليت ولعل وقول ابن مسعود
- وحي على الفلاح
- فيه قولان قيل معناه هلموا إلى الفوز والحجة له قوله
- {إذا قضى أمرا}
- أي أحكمه وقوله
- أغمصه
- أعيبه غمصت الشيء عبته
- الداجن
- الشاة التي تألف البيت وتقيم به ويقال دجن بالمكان أي أقام به
- من يعذرني من عبد الله بن أبي
- أي قال من يعذرني منه أن عاتبت أم عاقبت أي من يقوم بعذري في فعله
- سيد
- كل شيء أفضله تخصيصا أو دينا أو نسبا قال أبو بكر بن الأنباري العرب تقول هو سيدنا أي رئيسنا والذي نعظمه ونقدمه
- احتملته الحمية
- أي أغضبته والحمية الأنفة والغضب والتغضب وحكى ابن السكيت أن الاحتمال الغضب وقيل حملته الحمية على ذلك القول
- اذنت
- الرجل بالأمر أعلمته فأنا أوذنه
- نهى عن قيل وقال
- قال أبو عبيد فيه نحو وغريب وذلك أنه جعل
- ما رام من مجلسه
- أي ما برح من مكانه يقال رام يريم إذا برح وزال وقل ما يستعمل إلا في النفي ورام يروم إذا طلبه
- الجمان
- ما استدار من الدر ويستعار لكل ما استدار من الحلي والأصل للدر وأنشد ابن فارس كجمان البحر جاء بها غواصها من لجة البحر
- العرق
- العظم الذي نقشر عنه اللحم وقد بقيت عليه بقية منه وجمعه عراق نادر يقال عرقت اللحم وتعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك
- عرق فيه تمر
- العرق بفتح الراء مكتل ينسج من الخوص دون الزبيل
- كذلك القول في
- أسلم سالمها الله
- {ولا يأتل}
- من الألية وهي اليمين يقال الى وائتلي
- جحش الرجل
- إذا تقشر جلد بعض أعضائه وقال أبو عبيد هو أن يصيبه شيء كالخدش ينسحج منه جلده يقال جحش فهو مجحوش
- أحمي سمعي وبصري
- أي أمنع سمعي وبصري من أن أخبر أني سمعت ما لم أسمع وأبصرت ما لم أبصر تنفي بذلك عن نفسها الكذب
- فعصمها الله
- أي منعها من الشر بالورع
- ورع
- يورع ورعا إذا تعفف وتوقف ولم يقتحم ما فيه شبهة
- وما كشفت عن كنف امرأة قط
- أي ما رمت كشف ما سترته من نفسها إشارة إلى التعفف
- وايم الله
- قسم وقد يقال على وجوه وقد تقدم ذكرها
- بقرت
- الشيء شققته وفتحته
- على يدي دار الحديث
- أي بمشاهدتي وحضوري جرى الأمر
- وقيل
- بحر أخضر وكتيبة خضراء
- شاة
- مصلية أي مشوية يقال صليت اللحم شويته فإن أردت أحرقته قلت أصليته بالألف
- {والذي تولى كبره منهم}
- أي ولي إشاعة الإفك وزوره
- لا حلف في الإسلام
- أي لا عقد ولا عهد على خلاف أمر الإسلام وكانوا يتحالفون ويتعاقدون في الجاهلية على مغالبة بعضهم بعضا وفي كل ما يعن لهم فهدم الإسلام ذلك وإنما المحالفة والمعاقدة في الإسلام على إمضاء أمر الله واتباع أحكام الدين والاجتماع على نصر من دعا إليها والمحالفة التي حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في دار أنس هي المؤاخاة والائتلاف على الإسلام والثبات عليه
- ربنا
- أي يا ربنا بحذف حرف النداء
- حكاه أبو عبيد
- شحمة الأذنين
- الوليد
- الصبي الصغير وجمعه ولدان ووليدة جمعها ولائد
- وما تزن بريبة
- أي لا تتهم يقال أزننت فلانا بكذا أي أتهمته فهو يزن بكذا
- تصبح
- فلان بكذا إذا فعله وقت الصباح
- وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
- استعارة أي لا تغتاب أحدا ممن هو غافل من مثل هذا الفعل قال تعالى
- على رأس جبل
- تصف قلة خيره وبعده مع القلة كالشيء التافه في قلة الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة في الصعود إليه وتكلف الانحدار به يبين ذلك قولها
شرح الحديث
من «فتح الباري شرح صحيح البخاري» للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) — بترقيم البخاري نفسه
الموضع والصحابيمحمد بن شهاب الزهري
درجة الحديثصحيح؟
- متفق عليه — أخرجه البخاري ومسلم
- أحكام محدّثين معاصرين، مسندة بأسمائهم
- أحمد محمد شاكرصحيحالترمذي
- الألبانيصحيحالترمذي
- بشار عواد معروفحسن صحيحالترمذي
- زبير علي زئيصحيح متفق عليهالترمذي
الرواياتفي 4 من الكتب · 3 ألفاظ
اختلاف الألفاظ
الأصل في المقابلة: الترمذي (أطولها)لفظ كل كتاب بنصه من نشرته، والمقابلة آليّة من عملنا — لا يُدمج نصان قط. والأصل في المقابلة أطول الألفاظ، والمعلَّم ما انفرد به هذا اللفظ عنه؛ ولكل كتاب إسناده، والإسنادان مختلفان بالضرورة، فأول كل رواية معلَّم بطبعه. وعلامات الترقيم غير محسوبة. وسط الاختلاف في مقابلاتنا ٣٤٪.
الإسناد3 طريقمن تحفة الأشراف للمزي
اضغط على راوٍ لعرض من رووا عنه في هذا الحديث
الإسناد كاملاً›النبي ﷺ›محمد بن شهاب الزهري›يونس›ابن وهب
الرتب من «تقريب التهذيب» لابن حجر بنصه، وجَمْعُها في هذه المراتب الثماني من عملنا. وإنما تُطابَق أسماء الأسانيد بترجمة معيَّنة في ٢٤٪ منها، فالراوي بلا علامة لم تُعرف رتبته لا أنها مجهولة — وأكثر ذلك في المشهورين بالاسم الواحد كسفيان وشعبة والزهري، وتعيينُ أحدهم بالظن أسوأ من تركه. وسنة الوفاة من التقريب أيضاً، وأكثرها بلا مئة في أصله فتُستدرك من طبقته.
المصادر الخارجية
المصادر الخارجية
مواقع أخرى للمقابلةروابط مباشرة بالرقم — تعتمد على ربطنا الآلي بالترقيم الحديث
بحث بعبارة من المتن — قد لا يصيب الحديث نفسه
المصدر والإسناد
- جمع الروايات: ابن الأثير في جامع الأصول
- الربط بالترقيم الحديث: آلي (تطابق نصي)
- الإسناد: المزي في تحفة الأشراف