الأحنف بن قيس - رضي الله عنه (1) - قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه (2) ، فقام عليهم، فقال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه، في نار جهنم، فيوضع على حلمة (3) ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، يتزلزل (4) ، قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا، قال: فأدبر، فاتبعته، حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئا، إن خليلي أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - دعاني فأجبته، فقال: «أترى أحدا؟» فنظرت ما علي من الشمس، وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له، فقلت: أراه، فقال: «ما يسرني أن لي مثله ذهبا أنفقه كله، إلا ثلاثة دنانير، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئا» قال: قلت: ما لك ولإخوانك من قريش لا تعتريهم وتصيب منهم؟ قال: «لا، وربك، لا أسألهم عن دنيا (5) ، ولا أستفيهم عن دين، حتى ألحق بالله ورسوله» . هذا لفظ مسلم، وهو عند البخاري بمعناه. وفي رواية: أن الأحنف قال: كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر وهو يقول: بشر الكانزين بكي في ظهورهم، يخرج من جنوبهم. وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم، ثم تنحى، فقعد، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال: فقمت إليه. فقلت: ما شيء سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه، فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. وفي أخرى بعض هذا المعنى قال: كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ينظر إلى أحد، فقال: ما أحب أن يكون لي ذهبا تمسي علي ثالثة وعندي منه شيء. وفي رواية: وعندي منه دينار، إلا دينارا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله، هكذا، حثا بين يديه، وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شماله (6) .